الآلوسي
411
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
وعندي أن الذي قاله ابن مالك أرجح ، مما قاله الشيخ ، وذلك أن الاثنين إذا وقعت بينهما خصومة عند حاكم فيقول المدعي للحاكم : لي على هذا كذا : فيقول المدعي عليه : هو يعلم أنه لا حق له علي ، فالضمير في هو إنما هو لحضور مدلوله حسا لا لقوله : لي كما هو المتبادر إلى الأفهام ، وأيضا يرد على ما ذكره في ضمير اسْتَأْجِرْهُ أن موسى عليه السلام لم يسبق له ذكر عند حضوره مع بنت شعيب عليه السلام ، وقد قالت : يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ وقصدها بالضمير الرجل الحاضر الذي بان لها من قوته وأمانته الأمر العظيم ، ثم إن من خاصم زوجته فقال للحاضرين من أهلها . أو من غيرهم : هي طالق تطلق زوجته لوجود ما قرره ابن مالك ، ولا يتمشى على ما قرره الشيخ كما لا يخفى ، وبالجملة إن التأويل الذي ذكره في الآيتين وإن سلم فيهما لكن لا يكاد يتمشى معه في غيرهما هذا فليفهم وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها ذهب جمع إلى أنه كان ابن خالها « 1 » ، وكان طفلا في المهد « 2 » أنطقه اللّه تعالى ببراءته عليه السلام ، فقد ورد عنه صلى اللّه تعالى عليه وسلم « تكلم أربعة في المهد وهم صغار : ابن ماشطة ابنة فرعون ، وشاهد يوسف عليه السلام ، وصاحب جريج ، وعيسى ابن مريم عليهما السلام » وتعقب ذلك الطيبي بقوله : يرده دلالة الحصر في حديث الصحيحين عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى ابن مريم ، وصاحب جريج ، وصبي كان يرضع من أمه فمر راكب حسن الهيئة فقالت : أمه اللهم اجعل ابني مثل هذا فترك الصبي الثدي ، وقال اللهم لا تجعلني مثله » ا ه ، ورده الجلال السيوطي فقال : هذا منه على جاري عادته من عدم الاطلاع على طرق الأحاديث ، والحديث المتقدم صحيح أخرجه أحمد في مسنده ، وابن حبان في صحيحه ، والحاكم في مستدركه وصححه من حديث ابن عباس ، ورواه الحاكم أيضا من حديث أبي هريرة ، وقال صحيح على شرط الشيخين ، وفي حديث الصحيحين المشار اليه آنفا زيادة على الأربعة « الصبي الذي كان يرضع من أمه فمر راكب » إلخ فصاروا خمسة وهم أكثر من ذلك ، ففي صحيح مسلم تكلم الطفل في قصة أصحاب الأخدود ، وقد جمعت من تكلم في المهد فبلغوا أحد عشر ، ونظمتها فقلت : تكلم في المهد النبي محمد * ويحيى وعيسى والخليل ومريم ومبري جريج ثم شاهد يوسف * وطفل لذي الأخدود يرويه مسلم وطفل عليه مر بالأمة التي * يقال لها تزني ولا تتكلم وماشطة في عهد فرعون طفلها * وفي زمن الهادي المبارك يختم ا ه ، وفيه أنه لم يرد الطيبي الطعن على الحديث الذي ذكر كما توهم ، وإنما أراد أن بين الحديث الدال على الخصر وغيره تعارضا يحتاج إلى التوفيق ؛ وفي الكشف بعد ذكره حديث الأربعة ، وما تعقب به مما تقدم عن الطيبي أنه نقل الزمخشري في سورة البروج خامسا فإن ثبتت هذه أيضا فالوجه أن يجعل في المهد قيدا وتأكيدا لكونه في مبادئ الصبا ، وفي هذه الرواية يحمل على الإطلاق أي سواء كان في المبادئ أو بعيدها بحيث يكون تكلمه من الخوارق ، ولا يخفى أنه توفيق بعيد . وقيل : كان ابن عمها الذي كان مع زوجها لدى الباب وكان رجلا ذا لحية ولا ينافي هذا قول قتادة : إنه كان رجلا حكيما من أهلها ذا رأي يأخذ الملك برأيه ويستشيره ، وجوز أن يكون بعض أهلها وكان معهما في الدار بحيث
--> ( 1 ) وفي بعض الآثار أنه ابن أخت لها وكان عمره إذ ذاك ثلاثة أشهر ا ه منه . ( 2 ) ولم ترتض ذلك الجبائي لوجوه ذكرها الإمام ، ولا يخفى ما فيها ا ه منه .